تخيل/نور
تخيل!!
في منزلك الصغير جدا
هو "غرفة واحدة في زواية منها هيكل مطبخ، وأمامها "حمام"
ولا أحد يتذمّر من هذا الوضع المزري
معظم الناس؛ محاصرين في مدينتكم، ويعانون ذات المعاناة،
هذه قواعد الاحتلال؛ التي باتت كأنها أمور شكلية، مقارنة بممارساته اليومية البغيضة.
لم تمنع هذه الحال، أمنيات دفينة كبيرة، وأحلام عريضة من أن تشغلك
اقتناء منزل يليق بحياة أفضل
وعمل ثابت مهما كان؛ تلبي منه احتياجات أسرتك التي لا تُطلب.
حتى أمنياتكم، وأحلامكم التي لم تكن تستطع قوى العالم المساس بها
كانت متواضعة وقنوعة بشكل لافت
المهم
أنك بعد يوم قاسٍ وشاق؛ عدت إلى منزلك، وبعد انتهائكم من تناول لقمة مباركة،
شاركت كالمعتاد، زوجتك الطيبة؛ أحلامك بمكان أوسع قليلا؛ غرفة أخرى ومطبخ مستقل
واستبشرتما وضحكتما ودعوتما أن يكون.
حاولت أن تلهو مع أطفالك الثلاثة؛ لكنك دون أن تشعر، طرحك التعب أرضا؛ فقدت وعيك؛ وغلبك النوم، وحولك اصطفّ آل بيتك وناموا مطمئنين
رغم ما نما إلى علمكم؛ من أنّ آلة الحقد المستوطنة أرضكم؛ عازمةٌ على تنفيذ حقدها في أقرب وقت
فجأة!
كنت كأنك صحوت
وآلام، عميقة، عنيفة، تنخر جسدك
وثقل عظيم يكاد يفتك بك
هل فقدتُ رئتيّ؟ تساءلتَ صامتًا
قدمايَ، ذراعاي؟
كل ما يحيطك تراب،
غبار، وتشعر بجروحك أسكتت نزفها الصدمة قبل شظايا الردم
أين أنا؟!
أين بقيّتي؟!
هل أنا نائم؟
كابوس؟!
ماهذا الوجع؟!
أين؟ كيف؟ ماذا حدث؟
قصفونا!
أطفالي، زوجتي؟!
أين أنتم؟!
جعلت تصرخ بأسمائهم ومن عِظم آلامك تزيد الصراخ:
أمل، يوسف، رنا، غادة
تصرخ، وتصرخ؛ وبداخلك شكّ، من أنّك تملك صوتًا يخرجُ ويتعالى
لم تعلم كم لبثت تنادي وتبكي، دون أن تدمع
فكرت في السيناريو الأسوأ
ورفضته
شرعت تناجي الله، وتدعو أن يسلمهم
وآلامك تزيد عزمك في الدعاء والرجاء
ولا تدري كم لبثت
حتى لاح ضوء ما نبهك إلى سبيل للخروج
وصارت تقترب شيئا فشيئا كلمات متداخلة؛ حملتك على الهتاف:
أنا هنا
أين هم؟
أنقذوني
سحبوك أخيرا من تحت الأنقاض
حملوك وهم يهتفون: الحمد لله وجدنا أحدهم حيا.
عاجلوا عينيك بخرقة مبتلة بماء مالح لترى جيدا، ولتبكي بصورة أوضح
لم تستطع الحراك، آلامك كلها تركزت في قلبك
صار يرهبك إن تسأل؛ فتسمع ما لا تود أن يؤكده أحد
ظللت تتمتم فقط: الحمد لله، الحمد لله اللهم افرغ علينا صبرا
وفي أعماقك تتقافز صور، وحكاياتٌ، ويعاجلك الطبيب ببتر وبتر
والحمد لله وإنا لله
آلام، أكفانٌ، وزيتونٌ، وقمح خبز لما وجدوه، عجنوه بحزن وأمل
والحمد لله وإنا لله
وحاجة لمساعدات طبية، الجرحى
يهلكون
وكلام يرقى للإبادة
يا حبذا صمت
مساعدات عقيمة، لم يُوافق بإدخالها أولي الأمر بحصد الأرواح
مشافٍ، ونيرانٌ، وأشلاء
إبادة!
واستجابة للصمت
وصمت في صمت
وكلام يعني استكملوا الإبادة
على الرحب والسعة أتموا خطتكم
وإنا لله والحمد لله
ونيرانٌ، وأكفانٌ وأكفان
وصمت صمت
والحمد لله وربما يستفيقوا ويصمتوا صمتا مختلفا؟!
أيامٌ وشهداء وشهداء وصمت
والحمد لله وإنا لله
شهر وشهداء، وشهداء، وشهداء وصمت
ومقاومةٌ وحيدة والله أكبر للمنتهى ومبتدأ الولادة
وأمةٌ محتلّة يارب
واتفاقية صمت
والحمد لله وإنا لله
وقدماك في مقبرة، مع أشلاء طفل، احتضنتَه بكل ما يؤمك من حب وحنان وحنين وألم مُهلكٍ، بهيم؛ من ضياع فرصتك، باحتضان عائلتك
والحمد لله وإنا لله
وصلاة غائب أخيرة على أمة الصمت
هل تخيلت؟!
آمل أنك استطعت
هيا إذًا
لنواصل متابعة لعنة الصمت
إنا لله والحمد لله
نور
تعليقات
إرسال تعليق